البنات في الإسلام تفاحة القلب وريحانة العين

لقد مرت البشرية في مرحلة من مراحلها بإلتواء في سبل الحياة، فقد انطفأت في قلبها مشاعل الرحمة والفهم المستنير، وأظلمت في نفسها معاني السمو والشفقة. فقتلت الأبناء خوفا من الفقر، ووأدت البنات خوفا من العار، فقد كان ذلك خروجا للبشرية عن دائرة العقل السليم، وعاطفة الأبوة الرحيمة. فقد خسر الناس بسبب ذلك نعما كثيرة، فقد قال الله عز وجل في كتابه العزيز: ” قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ” (سورة الأنعام:140) صدق الله العظيم. وقد كان عرب الجاهلية يؤدون بناتهم خوفا من العار، فقد قال الله تعالى: ” وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ” (سورة النحل:58-59) صدق الله العظيم.

وما هذا إلا قسوة قلب وغلاظة وقتل بنات بريئات بغير ذنب، سوى أن الله خلقهن بنات. وجاء الإسلام فانتقل بهذه الأمة الجاهلية نقلة كبيرة واسعة، فبعد أن كانت البنات عارا يلاحقهم، صاروا يفتخرون بهم ولا يجدون في ذلك حرجا أو ضيقا أو أذي، وربما يرضى البعض ببنت واحدة دون غيرها من أخوة أو أخوات. ويحكى أن عمرو بن العاص دخل على معاوية رضي الله عنه وعنده ابنته، فقال: من هذه يا معاوية ؟ فقال: هذه تفاحة القلب وريحانة العين وشمامة الأنف. فقد غير الإسلام مفاهيم كثيرة منها أن البنات عار علي أهلها. ولكن نرى في مجتمعنا الآن بعض تصرفات أشبه بتصرفات الجاهلية، فمن الأسر من يرزق ببنت أو إثنتين أو ثلاثة، فلا تجد قبولا للبنات، فتصبح الزوجة وتمسي وهي تسمع عبارات اللوم والنقد والتوبيخ، أو قد يقوم الزوج بهجر زوجته عقابا لها.

وقد حرم الإسلام مثل هذه الأمور لما فيها من رجوع لعصر الجاهلية الأولى التي تبرأ منها الإسلام منذ عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضا لما فيها من عدم الرضا بقضاء الله وقدره والسخط عليه. ولكن السبب في ذلك كله يعود إلي ضعف الإيمان، فلا أحد في الكون كله يملك أن يغير خلق الله، فقد قال تعالى: ” لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ” (سورة الشورى:49-50) صدق الله العظيم. فالله سبحانه وتعالى يحكم سلطانه الأرض والسماء، يتصرف كيف يشاء، فالواجب أن يسلم العبد لربه فيما وهبه وأعطاه، ولا بجب بأي حال من الأحوال الإعتراض على حكم الله، فالتشاؤم من البنات مرفوض شرعا وعقلا.

ويجب على الأسرة المسلمة أن ترضى بما قسم الله عز وجل لها من البنين والبنات، وترضى كذلك إذا حرمها، ولا تسخط إذا جاء المولود على غير هواها. وهذا الرضي ينبع بالطبع عن إيمان قوي وعميق، وثقة في الله عز وجل أنه قد قسم لهم ما فيه الخير والأفضل. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم اللآباء والمربين بحسن معاملة بنتانهن والعناية بهن، والقيام على أمورهن لكي يدخلوا الجنة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن، إلا كن له سترا من النار” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

email